اللحظات الأخيرة لفاروق .. تفنيد الأوهام ونفي الأكاذيب

 

بقلم : دكتور صفوت حاتم

 

كثيرا ما ترددت على لسان بعض غير المتخصصين مقولة تنسب للملك فاروق أنه آثر الخضوع لطلبات الضباط الأحرار حفاظا على وحدة الجيش وعدم الزج بالبلاد في آتون حرب أهلية .

ولقد تكررت تلك ” الأكذوبة ” كثيرا على ألسنة العامة غير المهتمين بقراءة التاريخ في كتب التاريخ الجادة . وهو أمر نقبله ونتسامح معه , فنحن نفتقد الثقافة الرصينة .. ونفتقد معها قراءة التاريخ بعقلية جادة وموضوعية , بعيدة عن الهوى .

لكن أن يردد تلك ” الفرية ” شخص بقيمة وجدية ” الدكتور ” ناجح إبراهيم . فذلك يضع الفكر والثقافة المصرية في مأزق حاد .

والدكتور ” ناجح إبراهيم ” لمن لا يعرفه , رجل بدأ حياته السياسية بالانضمام للجماعة الإسلامية , وشارك في عمليات العنف والقتل التي قامت بها في آواخر حقبة السادات .. ودفع من عمره عدة سنين في السجن , قام خلالها بعمل مراجعات فكرية مهمة وشجاعة , تزيد من قدر الرجل وقيمته . فضلا عن كونه أحد الرجال القلائل من تيار ” الإسلام السياسي ” الذي لا يحمل ضغنا أو كرها لتجربة الثورة المصرية ولجمال عبد الناصر تحديدا . وقد سمعته أكثر من مرة يمدح تجربة الإصلاح الزراعي والنهضة الإقتصادية .

ولكنه في مقال منشور في عدد جريدة ” أخبار اليوم ” يوم السبت 25 يوليو 2015 , بعنوان ” ثورة 23 يوليو .. والربيع العربي ” , كتب يقول :

لقد كنت في بداية شبابي أعتقد أن السر في كون 23 يوليو ثورة بيضاء , هو توجه الثوار من الضباط الأحرار أنفسهم فقط . ولكنني أدركت بعد عمق دراسة وتمحيص أن الفضل يعود أيضا لحكمة ووطنية وفطنة الملك فاروق الذي رفض أن يستجيب لنداءات بعض ضباط الحرس الملكي بالاشتباك مع الضباط الأحرار وأنهم قادرون على هزيمتهم .. ولكن الملك فاروق أبى أن يتجاوب مع رغبة هؤلاء وقال بهم حرفيا : أنا لا أريد أن أريق دماء أولادي أو أن أقسم الشعب المصري إلى نصفين ” .. ثم تنازل عن العرش في صمت .. ثم ركب يخت المحروسة مغادرا مصر .. ثم بكى بكاء مريرا في طريقه إلى أوروبا ” ( أنتهى ما قاله الدكتور ناجح إبراهيم عن وقائع تلك الحادثة )

وهنا لنا كلمة :

أولا أن الدكتور ناجح إبراهيم يقول أنه وصل لتلك ” الحقيقة ” بعد ” عمق درس وتمحيص ” .. دون أن يذكر شاهدا واحدا . أو مرجعا واحدا يدلل به على صحة هذا ” الدرس والتمحيص ” ؟؟!!

ولا يغفر للدكتور ” ناجح إبراهيم ” أنه يكتب مقالا سريعا في جريدة ذائعة الإنتشار .. وهو يعلم .. أو هكذا أظن .. أن الكتابة الصحفية تنتشر أكثر بين العامة , غير المتخصصين , وأن ذلك يضاعف من مسؤولية الكاتب إزاء القراء .. حتى لا يروج .. بقصد أو دونه .. معلومات تاريخية مشكوك في صحتها أو مجافية تماما للوقائع التاريخية .

 

ثانيا : أن الوقائع التاريخية لتلك الأيام تذكر حقائق مجافية لما قاله الدكتور ” ناجح إبراهيم ” .. وغيره عن تسليم الملك فاروق بالأمر خوفا من إنقسام الجيش أو دخول الجيش والبلاد في حرب أهلية

****

فالوقائع والشهادات الحيّة عن هذه اللحظات .. ممن عاشوها وعاصروها .. تروي لنا وقائع مخالفة .

كيف ؟؟

لعل أقرب الشهادات دقة عن وقائع تلك الأيام هي شهادة أربع رجال حضروا وعاصروا عن قرب أحداث تلك الأيام الثلاث .. منذ اللحظات الأولى للثورة وحتى مغادرة ” فاروق ” لمصر على ظهر اليخت ” المحروسة

وفي هذه الدراسة , سنقدم شهادات هؤلاء الرجال الأربعة .. وهم على الترتيب :

الأول : هو الضابط في الحرس الملكي .. آنذاك .. والسفير بوزارة الخارجية .. فيما بعد .. ” محمد وفاء حجازي

والثاني : هو المستشار ” سليمان حافظ ” .. الرجل الذي عاصر الثورة من اللحظات الأولى .. واوفده الضباط لمفاوضة علي ماهر والملك في الأسكندرية .. وسجل الرجل مذكراته كاملة .

والثالث : هو ” مرتضى المراغي ” آخر وزير للداخلية في عهد فاروق .. وكان أحد المتواجدين بجوار الأحداث في الأسكندرية في ” بولكلي ” حيث مقر رئاسة الوزراء في الأسكندرية .

والرابع : هو المؤرخ ” أحمد حمروش ” .. أحد الضباط الأحرار .. والضابط المسئول عن قوات الثورة في الأسكندرية.. والمكلف بمحاصرة الملك في قصره في رأس التين واجباره على التنازل عن العرش .

شهادة الضابط بالحرس الملكي محمد وفاء حجازي

شهادة السفير محمد وفاء حجازي .. الضابط السابق بالحرس الملكي

تأتي أهمية شهادة السفير ” محمد وفاء حجازي ” .. رحمه الله .. أنه كان أحد ضباط الحرس الملكي الذين شاهدوا اللحظات الأخيرة في حياة فاروق كملك لمصر .. وعاصر وقائع رحيله على اليخت ” المحروسة ” .

وأترك المرحوم ” محمد وفاء حجازي ” يروي ذكرياته عن هذه اللحظات والتي سجلها بقلمه في مقال منشور في العدد التذكاري لمجلة ” الهلال ” بمناسبة مرور نصف قرن على ثورة يوليو .

يقول المرحوم ” محمد وفاء حجازي ” :

مشهد مغادرة الملك فاروق من مصر يوم 26 يوليو , من المشاهد المثيرة , والتي مازلت أحتفظ بها في مخيلتي كأنها صورة حية .

كنت في ذلك الوقت , ضابطا في الحرس الملكي بقصر رأس التين بالأسكندرية .. وشاءت الأقدار , أن أكون الضابط المناوب في قصر رأس التين , في نفس اليوم الذي أعلن فيه تنازل الملك عن العرش . شهد القصر لأول مرة صورة مختلفة عن تلك التي اعتادها , والتي اعتدناها سابقا عليه .

 

فقد كان الإنضباط والوجاهة هما سمات هذا القصر , وإضفاء الهيبة هو الشغل الشاغل لكل القيادات السياسية , وكل القيادات التي كانت تتولى حراسة وحماية الملك .

ولكن في ذلك اليوم , انهارت هذه الصورة وتآكلت , ورأينا مشهدا آخر يتنافى تماما مع هذه الصورة الجمالية التي كانت تبهر بعض الناس أحيانا .. رأينا الشخوص على حقيقتها .. ورأينا الأحداث وهي تقع , فهي تبدل أوضاع وتغير هيبة ومكانة قيادات في هذا البلد .. شاهدنا الملك المنهار , الذي لم يستطع أن يتحمل أن يتحمل الصدمة . وشهدنا عددا من كبار رجال الدولة الذين يبكون بين يدي الملك , ولا يعلم أحد هل كان حزنا عليه أم خوفا من المستقبل الذي ينتظرهم .

شهدنا النساء العاملات في القصر وهن في إطار من الأبهة والفخامة والإدعاء بالإنتماء إلى المدرسة الفرنسية . فكلهن يتخفين وراء قناع اللكنة الفرنسية متشبهات ومتعلقات بعادات الغرب وتقاليده وثقافته ولغته .

شاهدتهن وهن ” يولولن ” كنساء قاع المدينة . الكل يبكي ويصرخ بصوت عال . رأيت هذا التحول المفاجيء الصاعق والذي لم يتصوره أحد يحدث في لحظة واحدة !!

ساعة ما عرف الجميع أن هناك وثيقة يقوم الملك بالتوقيع عليها بالتنازل عن العرش . رأيت ” علي ماهر باشا ” وهو يدخل ويخرج لعدة مرات وفي يده هذه الوثيقة لكي يصحح جملة أو يعدل فقرة إلى أن تم الإتفاق على شكل الوثيقة النهائي ووقع عليها الملك .

وعلمت من بعض الأصدقاء الذين كانوا في القاعة التي وقع فيها الملك على الوثيقة , أنه قام بالتوقيع على الوثيقة مرتين , حيث اهتزت يده في المرة الأولى . ولكن في المرة الثانية لم تمتنع يده عن عدم الاهتزاز !!

ويضيف المرحوم ” محمد وفاء حجازي ” الضابط السابق بالحرس الملكي :

رأيتها , وأحسست بها وأنا في مكتبي كضابط مناوب , وكنت أتجول في طرقات القصر لأتابع الأحداث بدافع الفضول .. وعلمت أن الملك على وشك مغادرة القصر بعد ساعات .. وخلال تلك الساعات تحول القصر إلى ” مأتم ” تحيطه الغربان من كل ناحية , لا تسمع فيه إلا صراخا وولولة النساء , الكل في لوعة على المجد الزائل والأُبّهة التي إنهارت في لحظة . ( السفير محمد وفاء حجازي , شاهد عيان على ما جرى.. , مجلة الهلال , يوليو 2002 , صفحة 176 – 178 ) .

الحرس الملكي يقصف ضباط الجيش

ويضيف المرحوم ” محمد وفاء حجازي ” :

” … السلطة ضاعت والأُبّهة تلاشت مع مع توقيع الملك على وثيقة التنازل عن العرش .. ثم كانت طلقات النار المدوية والتي أفزعت الجميع , وخاصة أنه نتج عنها تحطيم الواجهات الزجاجية غالية الثمن . وكان ذلك أثناء احتكاك حراس القصر مع جنود الثورة المكلفين بتنفيذ الأوامر الجديدة .. وخشى الجميع من حدوث معركة دامية .. ولكن الله سلّم ولم يحدث أشتباك يؤدي إلى قتل أو دمار

وذهبت إلى رصيف الميناء الغربي لأشاهد خروج الملك , وأرى الموكب الحزين والمثير . ولكن شاهدت في تلك الأثناء خروج صناديق وخزائن وحقائب في أحجام مختلفة , لتسبق الملك على مركب ” المحروسة ” .. وقبل الساعة الثالثة خرج الملك مرتديا الزيّ البحري الرسمي , وعلامات التوتر والكآبة والضيق بادية على قسمات وجهه .. وكنت قريبا منه .. ولذلك رأيت تفاصيل ما حدث على وجه كله خوف وفزع ودهشة … ولأول مرة أرى الملك عن قرب شديد برغم أنني كنت من حرسه الملكي .. كنا نراه .. ولكن على مسافات بعيدة .. ولكن هذه المرة كنت قريبا منه .. وكان واضحا لكل ذي عينين أن هذا الرجل كان في داخله خوف وحزن وندم .. ويحاول بقدر الإمكان أن يخفي مشاعره التي خانته !!

 

****

 

وفي هذا المناسبة يحضرني ما سمعته مؤخرا وأثار دهشتي , حيث أذاعت بعض القنوات التليفزيونية على لسان واحد ممن عشقوا تمجيد هذا الملك وجميع رموز العصر الملكي .. قوله أن الملك قبل توقيعه على وثيقة التنازل عن العرش .. قد رفض الإقتراح بالتدخل الإنجليزي لتغيير الموقف وحمايته , تحت دعوى أنه لا يريد ” حربا أهلية ” .. ولكنه لن يسمح لنفسه أن تحدث حربا أهلية .. وهي ليست أكذوبة فقط , لكن ذلك لا يتناسب مع طبيعة هذا الملك .. فهذا الملك .. كما رأيناه أثناء خدمتنا في الحرس الملكي .. أو قبل ذلك .. لم يكن يعنيه أمر هذا الوطن من قريب أو بعيد .. بالعكس كان منصرفا إلى المتع والملذات .. لدرجة أن البعض كان يطلق عليه ” الحلوف ” !!

ولم نسمع في هذه الأونة .. وأثناء تلك الأحداث عن هذه الحادثة .. وهذا الأدعاء الذي ليس له أساس من الصحة .. ونُسب بشكل فج إلى ملك لم يكن يعنيه مثل هذه الأمور ” ( محمد وفاء حجازي , الهلال , يوليو 2002 , صفحة 180 )

شهادة المستشار سليمان حافظ

والمستشار ” سليمان حافظ “.. لمن لا يعرفه من الأجيال الجديدة .. آمن في مرحلة شبابه بمبادئ الحزب الوطني .. وشارك بحماس في الحركة الوطنية ضد الإحتلال .. ووقع تحت الإتهام في قضية اغتيال ” السير لي ستاك ” عام 1925 .. ولكن أنقذه القدر ولم يحكم عليه بالإعدام .. وبعد عام 1949 تولى منصب وكيل مجلس الدولة .. الذي كان نظاما قضائيا جديدا تأسس عام 1946 .. وتولى رئاسته الدكتور ” عبد الرازق السنهوي ” . وعندما تولى ” سليمان حافظ ” قسم الفتوى والتشريع والرأي بالمجلس توثقت علاقات الود بينه وبين الدكتور عبد الرازق السنهوري .. وقاوما كل المحاولات التي بذلها الملك والحكومات المتعاقبة للسيطرة على مجلس الدولة أو اخضاعه . وفشل الملك وأعوانه في الإطاحة بهما.

وعندما قامت الثورة .. كان للثنائي : عبد الرازق السنهوري وسليمان حافظ دور كبير مع رجال الثورة والتشريعات القانونية التي اتخذتها الثورة منذ اليوم الأول .

ومن هنا ظهر المستشار ” سليمان حافظ ” كمستشار قانوني للضباط واستطاعوا فرضه على ” علي ماهر ” بعد اختياره كأول رئيس وزراء بعد الثورة .

وعلى الرغم من اقتراب المستشار ” سليمان حافظ ” من شباب ثورة يوليو .. إلا أنه أختلف معهم اختلافا شديدا بعد ذلك , مما أدى إلى إعتقاله في نوفمبر 1956 .. أثناء العدوان الثلاثي على مصر .

وكتب المستشار ” سليمان حافظ ” مذكراته عن وقائع تلك الأيام .. وهي مذكرات تكتسب أهميتها من كونها غير متعاطفة مع ضباط الثورة .. ولا مع عبد الناصر .. لذلك لا يمكن أتهامه بالإنحياز لضباط الثورة أو معاداة الملك دون حق .

 

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

الفلسطينيون أصحاب الأرض

بقلم / د . عادل وديغ فلسطين أكد الرئيس الفلسطيني أبو مازن أنه لن يتراجع …