النزعة التغولية … جدل العقل والغريزة

بقلم / د. أحمد زايد

 تابعت بقدر ما استطيع ردود الفعل الغاضبة ضد الشاب الذي أقدم على قتل شاب آخر بسبب تافه. وقرأت التحليل الذي قدمه الكاتب  صلاح سالم في مقاله الأسبوعي في جريدة الأهرام يوم الثلاثاء قبل الماضي من أهم هذه التحليلات، من وجهة نظري. حيث لفت النظر إلى أهمية التعمق في بنية المجتمع والطريقة التي تتكون بها عقول البشر وعلاقاتهم الاجتماعية. ولقد شجعني ذلك على أن أواصل الحديث عن النزاعات البازغة في حياتنا الاجتماعية، والتي كنت بدأتها في المقال السابق حول النزعة الانصرافية. وإذا كان حديثي اليوم عما اسميه النزعة التغولية يأتي على أصداء هذا الحدث الذي افزعنا جميعاً، وكنوع من المشاركة في فهم أبعاده البنائية العميقة، إلا أنه سوف ينصرف إلى حديث شامل حول مظاهر التغول في الحياة وتوزيعاتها الطبقية وعلاقاتها بفقدان العلاقة المتوازنة بين بناء العقل والطاقة المنفلتة للغريزة.

دعونا نبدأ القصة من البداية… لقد ثار جدل كبير في الفكر الفلسفي والاجتماعي حول علاقة العقل بالغريزة، أو ما يُطلق عليه ثنائية الطبيعة والثقافة nature and culture . ولقد تبلور هذا الفكر من خلال اسهامات عديدة من أهمها اسهامات “فرويد” عن العلاقة بين الأنا والأنا الأعلى، و”دوركايم” حول الضمير الجمعي. وثمة جدل كبير في دور التنشئة الاجتماعية في كبح جماح الطبيعة/الغريزة في الإنسان، أي في كبح الميول الغريزية والميول الفطرية المنبعثة عن طاقة الطبيعة في بناء جسد الإنسان. وكانت خلاصة هذا الجدل أن الحضارة (بمعناها الثقافي والجمالي) تبنى على تفوق للثقافة على الطبيعة؛ حيث تعمل الثقافة على صقل عقل الإنسان ونفسه فيصبح حاملاً للمعارف وأساليب التفكير والميول الإيجابية والقيم الجمالية والاجتماعية؛ فيكون أقدر على بناء الاجتماع الإنساني الأكثر فائدة للمجموع، لمجمل سكان المجتمع، والأكثر قدرة على إعلاء المصالح الجمعية والذات الكلية. والسبيل إلى ذلك يتحقق عبر التعليم والصناعات الثقافية، وما يرتبط بهما من بناء قدرات الإبداع والابتكار، وبناء العقل العملي المنجز، وذائقة الجمال، وقيم المواطنة وذلك في إطار بيئة تمكينية تستظل بالإرادة السياسية وحكم القانون ومجتمع المؤسسات وحماية الحريات والحقوق.

عند هذا الحد أصل إلى النقطة التي اود أن أطرحها وهي تتمحور حول سؤال يظهر أمامنا جلياً من قراءة ما سبق من هذا الحديث: ماذا عسى أن تكون الأحوال إذا ما انقلب الأمر فأصبحت الثقافة غير قادرة على ضبط الطبيعة على نحو كامل وإيجابي؟ أظن أننا بحاجة إلى تأمل هذا السؤال ونحن ننظر في أحوال مجتمعاتنا. حقيقة أننا نجد مظاهر عديدة للانضباط السلوكي القائم على مبادئ توارثناها عبر الأجيال. وهذه الثقافة هي التي حفظت لمصر تماسكها عبر الزمن، وهي التي خلقت هذه الاستمرارية الحضارية التي نباهي بها الدنيا. ونحن نعي هذه الحقيقة جيداً وكثيراً ما نجمجم بها بكل فخر واعتزاز. ولكن علينا في نفس الوقت – ولكي نحافظ على هذا الوجه الحضاري – أن ننظر فيما اعتوره من خلل.

فقد بات مجتمعنا يعرف الكثير من المظاهر التي تقلب ثنائية الثقافة والطبيعة رأساً على عقب، وتجعل الطبيعة بما تحمله من نزعات غريزية هي الأكثر تحكماً في السلوك. أنها حالة من تراجع العقل الاجتماعي الذي بمقتضاه يدرك الأفراد أنهم جزء من المجتمع، وأنهم لا يحب عليهم أبداً التعدي على حقوق الآخرين بأي شكل من الأشكال. إن غياب العقل الاجتماعي أو ضعفه يفقد مبدأ “الاجتماعية” معناه، ويعمل على إعلاء شأن الطبيعة والغريزة، في مقابل الثقافة.

ويكشف هذا عن نزوع إلى التغول الفردي في مقابل المجموع، وهو ما نطلق عليه في هذا الحديث “النزعة التغولية”. ولقد قصدنا إلى استخدام مفهوم “التغول” لأنه يؤشر في معناه اللغوي إلى الجور والحيد عن الصواب، والتعدي على حقوق الغير، وافترض هنا أن حالة ضعف “العقل الاجتماعي” وما يترتب عليه من قوة الرغبة والغريزة والتقوقع حول الأنا، ومع ما يصاحبه من تفريط في تطبيق القانون، يؤدي إلى شيوع ضروب مختلفة من التغول. تختلف في أساليبها ولكنها تؤدي إلى نفس النتيجة وهي الاعتداء، بل والظلم والجور في أحيان كثيرة.

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

الفلسطينيون أصحاب الأرض

بقلم / د . عادل وديغ فلسطين أكد الرئيس الفلسطيني أبو مازن أنه لن يتراجع …