قصة كفاح ” بناء السد العالي ” …. ( 2 )

بقلم محمد عبد العظيم

 

 وقفنا في المقال رقم ( 1 ) من قصة كفاح بناء السد العالي عند شروط البنك الدولي لتمويل بناء المشروع  وكيف تعامل عبد الناصر مع هذه الشروط وفي المقال التالي الذي يحمل رقم ( 2 ) باقي قصة الكفاح ونعرض :

لكن في البداية لا بد أن نوضح أهمية السد العالي بالنسبة لمصر لكي يستحق خوض معركة نضال , ويتضح ذلك فيما يلي :

لأن نهر النيل هو المصدر الرئيسي للمياه فى مصر

 فأدرك المصريون أهمية النيل منذ أقدم العصور، فأقيمت مشروعات التخزين السنوى مثل خزان أسوان وخزان جبل الأولياء على النيل للتحكم فى إيراد النهر المتغير ، كما أقيمت القناطر على النيل لتنظيم الرى على أحباس النهر المختلفة

يختلف اختلافا كبيرا من عام الى آخر ، إذ قد يصل الى نحو 151 مليار متر مكعب أو يهبط الى 42 مليار متر مكعب سنويا

وهذ التفاوت الكبير من عام لآخر يجعل الاعتماد على التخزين السنوى أمرا بالغ الخطورة حيث يمكن أن يعرض الأراضى الزراعية للبوار وذلك فى السنوات ذات الإيراد المنخفض

لذلك اتجه التفكير الى إنشاء سد ضخم على النيل لتخزين المياه فى السنوات ذات الإيراد العالى لاستخدامها فى السنوات ذات الايراد المنخفض

ونعود إلى شروط البنك الدولي وكيف كان التعامل معها

الشروط هي :

  • أن تتعهد مصر بعدم إبرام أى اتفاقات مالية او الحصول على أى قروض دون موافقة البنك الدولى
  • أحقية البنك الدولى فى مراجعة ميزانية مصر
  • مراجعة ميزانية مصر حتى لا يحدث تضخم
  • أن تتعهد مصر بتركيز تنميتها على مشروع السد العالى فقط وتخصيص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض
  • استبعاد الكتلة الشرقية كلية من المشروع وان تجرى عقود الإنشاء على أساس المنافسة .

وكان الهدف من كل هذه المحاورات فى الحقيقة، هو إبعاد الروس عن المنطقة، وخاصة بعدما

لوحظ أن عبد الناصر انه كان يحاول الحصول على السلاح الذى يحتاجه من الروس أو الكتلة الشرقية لكى يتمكن جيش مصر وقواتها المسلحة من الدفاع عن مصر وتطوير القوات المسلحة المصرية، وفى نفس الوقت الحصول على التمويل اللازم لبناء السد العالى من الغرب وأمريكا .

رفضت مصر شروط التمويل لمساسها بسيادتها

وكان من الطبيعى أن ترفض مصر هذه الشروط لأنها تؤدى إلى سيطرة الغرب على اقتصاد مصر، ثم تنتهى بالتإلى بالإطاحة باستقلالها كما حدث لمصر فى عهد الخديو إسماعيل نتيجة لحفر وبناء قناة السويس، وهذا يعنى أن يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى وهو وضع ترفضه الثورة

ورغم ذلك الرفض لم تتخلَ مصر عن هدفها فى ضرورة بناء السد الهالى لحتميته الاقتصادية.

 

  • لذلك أدى رفض مصر إلى وصول”يوجين بلاك” مدير البنك الدولى الى القاهرة يوم 19 يونيو 1956 ، وأجراء محادثات مع المسئولين.
  • تلميح “يوجين بلاك” من طرف خفى خلال المحادثات باحتمال سحب أمريكا عرضها إذا لم تسارع مصر قبل أول يوليو بالموافقة على الشروط الموضوعة.
  • وأمكن بعد ذلك التوصل إلى اتفاق مبدئى مع البنك الدولى يوم 12 يوليو.

تقدمت مصر بمقترحاتها إلى واشنطن وكان مفهوما أنها مقبولة ولا ينقصها إلا التوقيع .

ولم تتوقف محاولات اكتساب عبدالناصر والضغط عليه للتخلى عن مشاريعه واتجاهاته القومية الذى رفض عبد الناصر الاستجابة لها والتوقيع عليها عندما حملها معه مبعوث خاص من الرئيس الأمريكى فاهلت .سنة 1956 “.. والولايات المتحدة تجرب وسائلها واحدة بعد الأخرى وبالتفكير الأمريكى ، فقد كانت منطق الصفقات هو أول ما عرض نفسه على سياسة الولايات المتحدة، وكان أساس هذه الصفقات هو مشروع السد العالى الذى تحول بالفعل إلى رمز للمستقبل فى مصر .

وكانت الصفقة الأولى تقديم عرض بمساعدة مصر فى بناء السد العالى وبمنطق أن تكاليف بناء السد العالى تفرض على مصر تخصيص مواردها له – لهذا كان يتحتم عليها أن توقف صفقات شراء السلاح من الاتحاد السوفييتى – فى مقابل البدء فى بناء السد العالى.

والصفقة الثانية – ومنطقها متصل بالصفقة الأولى- هى شروط أكثر سخاء فى بناء السد العالى فى مقابل الصلح مع إسرائيل ، بمفهوم أن من يقصدون البناء يتحتم عليهم نبذ الحرب. ووصلت الولايات المتحدة فى هذه الصفقة إلى حد أنها قدمت مشروعا مكتوبا “لعقد” صفقاتها حمله مستر روبرت اندرسون وزير الخزانة الأمريكى ومبعوث خاص من الرئيس الأمريكى ” دوايت ايزنهاور“.

 

سحب أمريكا لعرضها (مشروع تمويل السد)

تعمد جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة فى ذلك الوقت ، بأن يستدعى السفير المصرى فى واشنطن أحمد حسين الى مكتبه وابلغه بأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت الى قرار بأن اقتصاد مصر لا يستطيع أن يتحمل أعباء بناء السد العالى ، ومن ثم قررت حكومة واشنطن سحب عرضها بتقديم المعونة المالية وسلمه كتابا تعلن فيه الحكومة الأمريكية سحب عرضها وقدره 56 مليون دولار للمشاركة فى تمويل قروض مشروع بناء السد وفى نفس الوقت وزع دلاس على الصحافة نص خطاب الرفض قبل أن يصل رسميا الى الحكومة المصرية .

 

ولم يختلف الوضع فى لندن ، فقد استدعى فى اليوم التالى السير هارولد كاشيا ، الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية للسفير المصرى فى بريطانيا وأبلغه أن بريطانيا قد قررت بدورها قررت أن تسحب العرض الذى كانت تقدمه لمصر وقدره حوالى 14 مليون دولار للمشاركة فى لتكملة تمويل قروض مشروع بناء السد العالى

ولم ينقض اليوم قبل أن يعلن “يوجين بلاك” مدير البنك الدولى بأن البنك الدولى لا يستطيع أن يقرض مصر مبلغ المائتى مليون دولار لتمويل مشروع بناء السد العالى كما وعد مصر قبل أسبوع ، وذلك بسبب القرارين الأنجلو-أمريكى

بهذا أيقنت مصر أن البنك الدولى يخضع للدول الغربية وظهر لمصر أن سحب أمريكا لعرضها هو بداية مؤامرة سياسية محكمة الأطراف، معاقبة من أمريكا لمصر بعد فشل الولايات المتحدة إثناء مصر عن شراء السلاح من الكتلة الشرقية وبذلك كسر احتكار الغرب لتوريد السلاح للمنطقة

تأميم شركة قناة السويس ردا على سحب عرض التمويل

كان رد عبد الناصر الحاسم على سحب أمريكا وانجلترا تمويل بناء السد ، هو تأميم قناة السويس كشركة مساهمة مصرية ، ذلك القرار الذى أثار مفجأة كبيرة للدوائر السياسية العالمية ، بقدر ما أثارته الطريقة والملابسات التى تم بها هذا القرار والأسلوب الذى اتبعته لإبلاغه لمصر فقد كانت هذه صفعة لوجه مصر لم يقبلها جمال عبدالناصر ، وأدلى عبدالناصر أكثر من مرة، بأن كيفية الطريقة المهينة لكرامة مصر التى أخبر بها عن سحب التمويل وليس سحب العرض فى حد ذاته قد عجلت بخطوة التأميم، فقد كان تأميم شركة قناة السويس يلح على تفكير جمال عبد الناصر منذ بدأ تفكيره فى الثورة وكان التأميم عبد الناصر ردا على محاولات تقييد يديه فى اختيار الصالح لمصر وشعبها ويرجع لمصر حقوقها المنهوبة على طول السنين لحوالى قرن كامل.

 

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

إجراءات حكومية عراقية بعد انفجار غامض في معسكر للحشد الشعبي

 متابعة / محمد عبد العظيم قالت الحكومة العراقية إنها ستخلي المدن من المعسكرات ومخازن السلاح …