ما الذي حدث لنا؟! (2)

بقلم / مصطفى الطبجي

في المقال الأول أوضحنا كيف يتم تدمير وتفكيك المجتمعات من الداخل، من خلال هدم القيم وتشويه الرموز وتحويله لمجتمع عدائي، وذلك من خلال أربعة مراحل ذكرنا منها مرحلتين، “تدمير الأخلاق” و”زعزعة الاستقرار”، وسوف أضع في أول تعليق رابط المقال الأول لمن أراد الإطلاع عليه.

بعدما أصبح المجتمع عدائيا تحت مظلة الجهل وفقدان إرثه الثقافي والحضاري يأتي دور العملاء، وهم ليسوا معارضين تم استغلالهم، أو نشطاء تم خداعهم، أو أقليات تم التلاعب بها، بل أعني هنا عملاء يعملون لهدم ما تبقى من قيم، وزعزعة ما تبقى من استقرار، والتشكيك فيمن تبقى من الرموز، وتشويه ما تبقى من عادات، من خلال نشر الكثير من الأكاذيب سواء السياسية أو الاجتماعية أو التاريخية، والتي أصبح المجتمع جاهز لتصديقها لأنهم في نظر المجتمع شخصيات عامة، وبذلك تبدأ المرحلة الثالثة “الأزمة“.

مع بداية “الأزمة” أصبحت التركيبة الاجتماعية منهارة تماما، والمؤسسات عاجزة عن أداء وظيفتها على أكمل وجه، تقود الشخصيات العامة جماعة من المؤيدين ينتج عنه احتكاك بالأمن، النتيجة المباشرة زيادة احتقان أفراد المجتمع، وهو الاحتقان الذي يبدو (ظاهريا) رد فعل منطقي وبديهي وعفوي، بالتالي وبناء على فقد الثقة في القانون يلجأ المواطنين للتظاهر اعتراضا على سوء الأداء.

ينتج عن التظاهر نتيجة واحدة، الدفع بجهات غير منتخبة للانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعني هنا نخب سياسية تتحدث عن إصلاح سياسي من وجهة نظرها، رجال دين يملئون عقول المواطنين بفتاوى جديدة، خبراء اقتصاد بأفكار اقتصادية تغازل عقول واحتياجات أفراد المجتمع، وبسبب حالة الاحتقان العام وترهل مؤسسات الدولة يحاول كل هؤلاء السيطرة أو الوصول للسلطة.

بذلك طالت الأزمة الجميع، بدء من المواطن الذي فقد بوصلته بسبب عمليات التجهيل على مدار سنوات، يدفعه غضب أعمى رغبة منه في تحسين أوضاعه، وانتهاء بمؤسسات فقدت قدرتها على العمل أو وجدت نفسها منخرطة في أعباء إضافية لا قبل لها بها، ويبدأ الجميع في البحث عن منقذ أو مخرج من هذه الأزمة كل حسب توجهه وأفكاره، والمنقذ هنا قد يكون فرد (رئيس جديد) أو كيان (حكومة جديدة) أو فعل (ثورة)، في المقابل وكرد فعل من النظام الحاكم الذي فوجئ بتسرب السلطة من بين يديه، وفي محاولة للتمسك بالمتبقي من مكاسبه تبدأ عملية القمع التي تؤدي فورا للمرحلة الرابعة… “الفوضى“.

ينتج عن الفوضى أمرين لا ثالث لهما، إما “حرب أهلية” بين أفراد المجتمع في محاولة من كلاهما فرض وجهة نظره ورؤيته السياسية والاجتماعية وأحيانا الدينية (وأستشهد هنا بدولة لبنان)، بذلك ينتفي عن الدولة أحد أهم شروطها وهو شعب يرغب في العيش معا، فلا يصبح هناك مفر إلا من إعادة ترسيم حدود الدولة وعزل الطرفين عن بعضهما بحدود سياسية جديدة (وأستشهد هنا بدولة السودان)، أو أن تتعرض الدولة بأكملها لاحتلال عسكري تحت مبرر فض النزاع (وأستشهد هنا بدولة أفغانستان).

كيف يمكن إنقاذ مجتمع مر ببعض أو كل هذه المراحل؟!

هذا ما سنوضحه في المقال القادم

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

الفلسطينيون أصحاب الأرض

بقلم / د . عادل وديغ فلسطين أكد الرئيس الفلسطيني أبو مازن أنه لن يتراجع …