مجرد رأي … امحاربة الإرهاب الأسود … ( 6 )

بقلم / محمد عبد العظيم عصر

من مقولات ” كانط ”  : إني أسمع من كل مكان صوتا ينادي لا تفكر , ورجل الدين يقول لا تفكر بل آمن , ورجل الاقتصاد يقول لا تفكر ولكن ادفع , ورجل السياسة يقول لا تفكر بل نفذ , ولكن فكر بنفسك إني لا أعلمك فلسفة ولكن أعلمك كيف تتفلسف .

ولأن أحياناً قليلاً من الفلسفة تجنح بالعقل إلى الإلحاد , لكن التعمق في الفلسفة يقود بالمرء إلى صحيح الدين ولأني مقتنع بأن العلم هو ما تعرف والفلسفة هي ما لا تعرف , فلنعد إلى حوار دكتور مراد وهبة الذي نشرنا له خمس حلقات من قبل والان مع الحلقة السادسة وهي :

في هذا الإطار أجريتم محاورات جريئة بعنوان “الفلسفة ورجل الشارع″ لتعلن رفضك أن تقطن الفلسفة أبراجًا عاجية وتنعزل عن رجل الشارع العادي، ما الذي أثمرته تلك المحاولات؟

وهبة: كان هدفي من هذه المحاورات أن أحرر رجل الشارع البسيط من الدوغماطيقية، في محاولة للتعرف على طريقة تفكيره وتغييرها، حينها أحضرنا للمؤتمر “بائع بطاطا” كممثّل لرجل الشارع، وبدأت أسأله من هو الفيلسوف؟ فقال لي نقول عليه “أبو العريف”، فالرجل البسيط على علم ودراية بمعنى الفلسفة، وعبّر عن معرفته بأسلوبه البسيط، ثم حاورته في المشاكل التي يعاني منها وكيف أن تغيير طريقة تفكيره ربما تساهم في حل هذه المشكلات، لكن المؤتمر قوبل بهجوم شديد من قبل المثقفين، واتهموني بتخريب القيم والتراث.

الفلسفة قادرة على تغيير ذهن رجل الشارع البسيط، لكن يواجهها سدّ من المحرمات الثقافية الرافضة للتعامل مع رجل الشارع العادي.

المثقفون يقفون ضد الفكر التنويري وضد العلمانية، بسبب تلاحمهم مع الجماعات الدينية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، وذلك على مستوى العالم، وليس العرب فقط، فالكثير من المؤسسات في العالم تدخل في تحالفات مع جماعة الإخوان المسلمين.

حاربني المثقفون

هل ما زلت رافضًا لقول زكي نجيب محمود بأن “الفلسفة حال نزولها للشارع سيكون مصيرها هو مصير هيباتيا”؟ وما الذي تراه في قوله أهو استعلائية أم إدراك لقصور الفلسفة وتقلص قدرتها على التأثير في الجموع؟

وهبة: الدكتور زكي نجيب محمود كان من أشد المعارضين لفكرة نزول الفلسفة إلى رجل الشارع العادي، وعارض بشدة مؤتمر “الفلسفة ورجل الشارع″، وقال لي “أنت ذبحت الفلسفة في هذا المؤتمر”، وعندما قابلته بعدها بعشر سنوات قلت له هل ما زلت على رأيك؟ انفعل جدًا وقال بل أعنف، قد لا يكون قوله هذا استعلاء، لكنه قصور عن إدراك العلاقة بين الفلسفة والتغيير.

أنا ضد انعزال الفلسفة عن الشارع، فذلك جريمة كبرى، ويمنع أن تقوم الفلسفة بأداء دورها في التغيير، الفيلسوف اليوناني سقراط، كان ينزل إلى أسواق أثينا يدعو لأفكاره الفلسفية، ويحاور رجل الشارع عن المعتقدات والتقاليد المسلّم بها، وأدين بالهرطقة وأعدم، وعندما جاء أفلاطون من بعده امتنع عن النزول لرجل الشارع أو محاورته، وأسس أكاديمية كتب على بابها ” لا يدخل إلا كل من هو على علم بالهندسة”، ومن وقتها وحتى اللحظة الراهنة لم تخرج الفلسفة عن الفصول الدراسية.

لم أستسلم لمحاربتي بسبب محاولاتي التواصل مع رجل الشارع لكنّني عزلت، وظللت أمارس دوري من خلال التدريس، ومن خلال منتدى ابن رشد الذي يحارب من قبل المثقفين الرافضين لانتشار العلمانية، وليس من قبل السلطة، فأنا أعاني من المثقفين، حتى عندما فصلني السادات كان يحامي للمثقفين.

الفلسفة والناس

في تاريخ الفلسفة الكثير من نقاط اتصالها بالشارع، متى حدث الانفصال بين الفلسفة والمجتمع، لتسكن أبراجًا عاجية لا يدخلها إلا أصحابها؟ ومن المسئول عن ذلك؟

وهبة: حدث الانفصال بين الفلسفة والمجتمع بعد إعدام سقراط، الذي كان ينزل إلى أسواق أثينا ليتناقش مع الجمهور حول الأفكار والمعتقدات، ومن بعده أسس أفلاطون للفلسفة داخل الفصول، وحدث الانفصال.

في إطار الثورة العلمية والتكنولوجية، ظهر مصطلح “mass”، أي الجمهور والمجتمع الجماهيري، وكان لزامًا على الفيلسوف أن يتلاحم مع الجمهور وإلا سيكون خارج العصر، ولكن المسئول عن الانفصال بين الفلسفة والمجتمع هو السلطة الدينية التي خضع لها الفيلسوف كوبرنيكوس عندما قال إن الأرض تدور حول الشمس، وبعد ذلك حاكموا جاليليو عندما روّج للفكرة ذاتها، لكن في النهاية انتصر فكرهم.

 

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

مجرد رأي …. لمواجهة الإرهاب الأسود …. (8)

بقلم / محمد عبد العظيم عصر مرت حركة الإصلاح في تطورها حتى القرن السادس عشر …