العثمانيون والإخوان ” الكذب – الخيانة – تجارة يالدين ” عوامل مشتركة ” ( 2 )

بقلم / محمد عبد العظيم عصر

نواصل في المقال الثاني عن العوامل المشركة بين العثمانيين وجماعة الإخوان الإرهابية والتي تتمثل في ( الكذب – الخيانة – التجارة بالدين ) ونبدأ بــ

عبد الحميد الثاني يدعو لغزو مصر:

الاضطرابات في مصر أو ما عُرِفَ باسم “المسألة المصرية” صارت موضع جدل من القوى الأوروبية التي كانت كل منها تخشى انفراد الأخرى بـ”غنيمة مصر” كجزء من التطلع لتقاسم “عادل ومُرضٍ” للتركة العثمانية.. وبلغ الهوان بالعثمانيين وسلطانهم أن عقد الأوروبيون مؤتمرًا لتقاسم التدخل والغزو في اسطنبول المنصوص في دستور 1876 على أنها “عاصمة الخلافة“!

وراح عبد الحميد العاجز ينظر إلى مندوبي إنجلترا وفرنسا ودول أوروبا وهم يتناقشون علنًا حول من له حق التدخُل في مصر التي كانت آنذاك “ولاية عثمانية”.. وللدهشة فإن عبد الحميد قد رفض مقترحًا بأن يرسل القوات العثمانية إلى مصر لفرض الانضباط على الأطراف المتصارعة وتمكين الخديوي توفيق من إقامة حُكم مستقر فيها.. بل دعا إنجلترا إلى أن تقوم هي بهذا الدور من خلال تفويضها إدارة مصر أسوة بجزيرة قبرص!

دعوة صريحة للغزو من رجل يُفتَرَض أنه “أمير المؤمنين” و”سلطان الدولة العثمانية” و”حامي حِمَى البلاد”! وحتى تبريرها بأنها “مناورة للوقيعة بين المتنافسين الأوروبيين على غزو مصر” لا يكفي لنفي صفة الخيانة العُظمى عن هذا الفعل المنكر..

وترفض إنجلترا الطلب احترامًا لما يوصف بـ”بروتوكول النزاهة” بين الدول الأوروبية ألا تلعب إحداها من وراء ظهر الأخرى..

أخيرًا استقر الأمر على أن تتدخل الدولة العثمانية بقواتها في مصر ولكن بشكل لا يمثل “احتلالًا طويل الأمد” بل بقدر ما يكفل للخديوي توفيق أن يقيم حكومة مستقرة لا تعاني مضايقات “الفئة العسكرية“.

بد الحميد الثاني، الرمز الذي يشيع العثمانيون الجدد أنه كان صخرة صلبة في وجه المستعمرين، يحتاج إلى مؤتمر دولي مفروض عليه ليقرر إرسال قوات إلى ولاية في دولته!

ولا تقف المهزلة عند ذلك كما سنرى..

خيانة عثمانية في زمن الحرب:

بينما كان عبد الحميد يمارس الانبطاح في عاصمته أمام الطامعين في ولايات دولته، كانت إنجلترا تكمل مؤامرتها الاستعمارية ضد مصر بالتعاون مع الخديوي الخائن توفيق.

فقبيل المؤتمر المذكور، قام عملاء الخطة الإنجليزية بتوزيع السلاح على الأوروبيين المقيمين بالإسكندرية، ونسقوا مع الخديوي الذي أرسل أوامره لمحافظ الإسكندرية عمر لطفي.

وفي “ساعة الصفر” اندلعت مشاجرة بين رجل مالطي وحَمّار (مكاري) مصري على أجرة نقل هذا الأخير للمالطي، فما كان من المالطي إلا أن طعنه بسكين، ولما حاول المصريون القبض عليه فوجئوا بوابل من النيران ينطلق نحوهم من أسلحة الأوروبيين عبر النوافذ، فثارت ثائرة “أولاد البلد” وتحولت المشاجرة إلى مقتلة بشعة بين الطرفين الأجنبي والمصري.

خلال ذلك راح المحافظ عمر لطفي يتلكأ في التدخل مفسحًا المجال لاستمرار تلك المقتلة التي ستكون مبررًا للتدخُل الإنجليزي الصريح.

الخديوي توفيق

أثناء ذلك كانت البوارج البريطانية والفرنسية تتقدم من الإسكندرية فيما يوصف بـ”المظاهرة العسكرية” بغرض إرهاب عرابي والثائرين ضد الخديوي توفيق.

وانتقل الخديوي الخائن إلى الإسكندرية ليكون في حماية الأسطول الإبريطاني، بينما أحس الفرنسيون بأن بريطانيا ستورطهم فيما هو أكثر من المظاهرة العسكرية فصدرت الأوامر للأسطول الفرنسي بالتزام الهدوء وعدم مشاركة الأسطول البريطاني أي عدوان على المدينة..

وسيطر عرابي وأنصاره على القاهرة، وأعلنوا إسقاط نظام الخديوي توفيق وإقامة نظام وطني، وأعلن عرابي نفسه نائبًا عن السلطان العثماني في مصر.

وصدرت الأوامر من عرابي لقادة حصون وقلاع ثغر الإسكندرية بتحصين مواقعهم تحسبًا لعدوان بريطاني محتمل.. وبينما هم ينفذون تلك الأوامر فوجئوا بأن البريطانيين قد احتجوا عند السلطان عبد الحميد على أعمال التحصينات تلك فأصدر السلطان والخليفة أمير المؤمنين عبد الحميد الثاني فرمانًا يأمر عرابي بوقف تحصين الإسكندرية!.

البطل أحمد عرابي

بالطبع رفض عرابي هذا الأمر، واستمرت أعمال التحصين والترميم والاستعداد للهجوم البريطاني المرتقب، فبادر سيمور-قائد الأسطول البريطاني-وأمر بقصف المدينة التي لم تصمد تحصيناتها أمام القصف الوحشي رغم استبسال الجند المدافع عنها وأهلها، وتحولت عروس البحر المتوسط إلى أنقاض مدكوكة مشتعلة.. وانسحب عرابي والجيش المصري إلى كفر الدوار (في محافظة البحيرة الملاصقة للإسكندرية في دلتا مصر) استعدادًا للتصدي للغزاة الذين قاموا بإنزال في الإسكندرية واستعدوا للتقدم من القاهرة..

وبينما كان العثمانيون يستعدون لفصل أخير من الخيانة، كان المصريون يضربون مثلًا رائعًا في التكاتف لصد العدوان.. على اختلاف عقائدهم.

فباقوم بك قائد شرطة القاهرة استطاع أن يحفظ الأمن فيها خلال هذه الظروف الدقيقة بشكل استحق إعجاب الجميع.. وأثرياء يهود الصعيد راحوا يرسلون الهبات المالية لعرابي لتسليح الجيش.. وأعيان المسيحيين أرسلوا الخيل والغلال لتموين الجيش المصري.

ونافس التجار المسلمون شركاءهم في الوطن في تقديم الدعم فأرسل تجار دمنهور 500 حصان لعرابي وراح أهالي مدن الدلتا يحصنون مدنهم وقراهم، وخرج 35000 من الأطفال والنساء لتحصين القاهرة.. وبعث حاكم أسيوط 22000 جندي من قدامى المقاتلين.

ونساء الأسرة العلوية الحاكمة لم ينحزن لتوفيق الخائن بل سارعن فجمعن أخوات وأمهات المجاهدين للدفاع عن مصر وعملن جميعًا في إدارة الأعمال الخدمية للجيش من كساء وتموين ودعم..

وبعثت أرملة سعيد باشا-والي مصر الأسبق وابن محمد علي باشا-بخيمة زوجها الملكية إلى عرابي لتكون خيمة ميدانية لإدارة العمليات العسكرية..

وأرسل المغاربة مقاتلون من قبيلة بني سليمان، وبعث السنوسيون في ليبيا بمقاتلين من بدو طرابلس تمركزوا في كفر الدوار..

ملحمة رائعة، ولكن.. جاءت الطعنة العثمانية من الظهر.. فقد أصدر السلطان العثماني فرمانًا يتهم فيه عرابي بالخيانة وأنه قد خرج عن الطاعة!. وتهلل الخديوي توفيق الخائن والغزاة الإنجليز بهذه الحماقة والخيانة العثمانية..

ونتابع في المقال الثالث نتيجة الخيانة … إن شاء الله

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

العثمانيون والإخوان ( الكذب – الخيانة – تجارة بالدين ) … عوامل مشتركة ( 6 ) والأخيرة

بقلم / محمد عبد العظيم منذ تأسيس الجماعة وهي تعتمد على استغلال الدين الإسلامي للترويج …