المستعٍمر يعظ !!!

بقلم / أمينة النقاش

فى مشهد يحفل بالمعانى والدلالات، بكى الرئيس الفرنسى «ماكرون» وهو يتفقد المناطق المتضررة من الانفجار المدمر فى ميناء بيروت،الذى وصل إليها بعد نحو 48 ساعة فقط من حدوثه، وقال باللغة العربية :بحبك يا لبنان.لا نملك هنا سوى القول،كتر ألف خيره،لم يفعلها غيره، على أية حال،من الساسة العرب !

عقب لقائه مع رموز الدولة اللبنانية : رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، ورؤساء الأحزاب والقوى السياسية وبينهم ممثلان لحزب الله وحركة أمل،قال «ماكرون «إنه أتى بيروت لإطلاق مبادرة سياسية جديدة تستهدف تغيير النظام و العمل على إجراء إصلاحات ضرورية فى عدة قطاعات، ووقف الانقسام ومحاربة الفساد، مخيرا الساسة ومن بيدهم الأمر، بين إتمام تلك الإصلاحات، أو مواصلة للبنان للغرق.واستجابة لمطلب رؤساء الأحزاب، دعا «ماكرون»إلى تحقيق دولى مستقل وشفاف لمعرفة أسباب الانفجار وملابساته، بينما تضمن بيان لرؤساء الحكومات السابقين الدعوة لأن تكون لجنة التحقيق دولية أو عربية. وحذر الرئيس الفرنسى من أن استمرار الوضع الذى يهيمن فيه حزب الله على القرار ويخزن الأسلحة والصواريخ سيجر على لبنان الويلات.

وبرغم المغزى التضامنى للزيارة، إلا انها انطوت على دلالات أخرى غير الوعد المشروط بعقد مؤتمر دولى لتقديم الدعم الاقتصادى للبنان. بينها أن لبنان بات موطن النفوذ الأخير للسياسة الفرنسية فى المنطقة،التى أخذت تتجه دول عدة فيها، بينها لبنان شرقا نحو الصين وروسيا والدول الأسيوية، بحثا عن تعزيز المصالح المشتركة، بعد النهب والخراب والحروب التى خلفتها التحالفات المختلة بين الغرب الأوروبى والأمريكى و بين دول المنطقة. ووصول حاملة الطائرات الفرنسية وبارجة حربية بريطانية قرب الشواطئ اللبناية فى البحر المتوسط، بعد الانفجار، لامعنى له سوى قطع الطريق أمام مثل هذا التوجه ومحاصرته. هذا فضلا عن وعد «ماكرون» بالعودة فى سبتمر لمراجعة ما تم الاتفاق عليه من جهة، والجهة الثانية الأهم هى المشاركة فى ذكرى استعمارية بامتياز هى مرور مائة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، التى تم إعلانها فى عهد الاحتلال الفرنسى، بعد سقوط الدولة العثمانية، طبقا لاتفاق فرنسى -بريطانى وهو ما عرف باتفاق سايكس – بيكو ( وهما أسماء دبلوماسى فرنسى وآخر بريطانى ) الذى أيدته حينها عصبة الأمم،و قسم دول المنطقة فى أعقاب الحرب العالمية الأولى،مناصفة بين الدولتين،مسميا احتلال الدول بالانتداب. وفى هذ العهد دمج الفرنسيون العلمين اللبنانى والفرنسى فى شكل واحد ورسخوا فى الدستور الذى صدر اثناء سلطة انتدابهم لدولة الطوائف !

خلفت زيارة «ماكرون «انقساما جديدا فى الساحة اللبنانية، بين مؤيد ومعارض للجنة تحقيق دولية، ومطالبة ومعارضة لمنح المساعدات المالية والعينية الفرنسية للمنظمات الأهلية الفرنكوفونية بعيدا عن سلطة الدولة اللبنانية، وسلطة جنرالات الطوائف. وكشفت عمق الهوة السحيقة من انعدام الثقة بين المواطنين ورموز الحكم والسلطة وزعماء الطوائف، وعمقت من أهمية مطلب تحرير القرار السياسى اللبنانى من هيمنة حزب الله، وعززت من الاتهامات التى تطوله بالمسئولية عن الانفجار المدمر، لأن ميناء بيروت ومطارها كليهما يقع تحت السيطرة المباشرة لحزب الله.

بعيدًا عن نصائح «ماكرون» ومواعظه ومصالحه، إذا لم تتمكن النخبة السياسية اللبنانية من التوصل فيما بينها إلى اتفاق واضح المعالم، يمد جسور الثقة مع المواطنين، بملاحقة جادة وحازمة لأوجه الفساد المالى والادارى والسياسى، واختيار لجنة قضائية وطنية موثوق بها للتحقيق فى الكارثة، والانتقال إلى سياسات تيسر للناس أوضاعهم المعيشية والمالية، وتتمكن بما سوف تحظى به من ثقة، من تحقيق الحياد الفعلى لدولة لبنان فى صراعات المنطقة، فإن لبنان سيظل دومًا فى مرمى الخطر.

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

حكم نهائى للمحكمة الادارية العليا بعدم ازالة المبانى المخالفة وصرف تعويض لمن أُزيل عقاره.

كتبت / ليلى ابو النجا حكم نهائى للمحكمة الادارية العليا بعدم إزالة المبانى المخالفة وصرف …