عالم ما بعد كورونا

بقلم / محمد فرج

الحديث عن تغيُّرات عالم ما بعد كورونا يدور على قدم وساق، تقريباً هناك اتفاق عام على حدوث تغييرات حتمية، في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وفي طريقة التفكير، وفي العادات والتقاليد والسلوكيات اليومية، العامة والأسرية، ويجري الحديث عن نظام عالمي جديد يختلف في الشكل على الأقل، عما كان قبل كورونا.

وينطلق البعض في تعاطيه للواقع الجديد بعد كورونا، مما سببته وسوف تسببه جائحة كورونا من أزمات صحية واقتصادية ومالية على النظام الاقتصادي العالمي، بينما ينطلق البعض من وجود مقدمات أزمات ركود اقتصادي سابقة على كورونا، لكن الجائحة سوف تفاقمها.

وأياً كان مصدر الانطلاق في بحث عالم ما بعد كورونا، فيبدو أن ثمة اتفاق عام حول تفاقم عدة أزمات اقتصادية دولية في مجالات إنتاج وتوفير الغذاء، مع خسائر مؤكدة في قطاعات السياحة والطيران، مع تراجع كبير في معدلات النمو، وزيادات مؤكدة في عجز الميزانيات العامة للدول والحكومات، وغيرها من الأزمات المالية والاقتصادية.

خارطة للتفكير الجديد:

على المستوى الفكري والثقافي بدأت تظهر بوادر لخارطة عامة جديدة للتفكير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لعالم ما بعد كورونا، وتشير هذه البوادر إلى احتمالات ظهور لبعض الأفكار الجديدة، وتداعي وتهاوي لكثير من الأفكار السائدة، مع احتمالات إعادة الاعتبار لأفكار قديمة تصور البعض ذهابها ورحيلها وموتها إلى غير رجعة.

من أهم الأفكار القديمة التي أعادتها كارثة كورونا بقوة، فكرة الدور المركزي الفاعل للدولة، وقد ظهرت بقوة ممثلة في الدور الحاسم للدولة وقطاعاتها الصحية ومستشفياتها العامة وأطبائها وأطقمها الصحية، وقطاعاتها ومؤسساتها المالية وأدواتها النقدية، ممثلة في البنك المركزي والبنوك العامة، التي بدونها لم تكن تتمكن الدولة من تنفيذ قراراتها النقدية العاجلة في مواجهة الكوارث والأزمات، وتوفير الأجور والحوافز والتحفيزات المالية.

وترتبط بتلك الفكرة عدة أفكار تحولت في ظل الأفكار والسياسات السائدة للعولمة الرأسمالية، إلى محرمات، أو أفكار مهجورة، أو عفى عليها الزمن، مثل فكرة التخطيط المركزي، والتنمية الشاملة، والاكتفاء الذاتي، والدورة الزراعية، خاصة في مجالات الزراعة وإنتاج الغذاء.

وأظن أن بعض من هذه الأفكار قامت كارثة كورونا، وسوف تقوم، بإعادتها للمقدمة، في سياق من تهاوي و تداعي البنية الفكرية التي سادت مع جموح العولمة الرأسمالية و ليبراليتها الجديدة و رأسماليتها المتوحشة، خاصة تلك التي بشرت بضرورة الخضوع لآليات السوق الحرة، والتي قامت على تعميم خرافة أن تلك الآليات الطليقة العمياء تصحح نفسها بنفسها دون حاجة لأي تدخل من الدولة، ولم يحدث في أي أزمة من أزمات الرأسمالية إلا العكس.

من الأفكار التي كانت سائدة حد اليقين في أوساط الفكر الرأسمالي المعاصر، تأتي فكرة أن الدول الرأسمالية المتقدمة تظل بمنأى عن الهزات العنيفة للأزمات والكوارث، وبينما تداعت بسرعة فكرة فوكوياما عن نهاية التاريخ، والانتصار النهائي للرأسمالية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وتفكك دوله، وكما انهارت سريعاً خرافة أن العولمة الرأسمالية الجديدة، لن تلجأ لحل الصراعات الدولية عبر الحروب، وعبر إرسال القوات المسلحة لغزو الدول وتغيير الأنظمة، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001، والاندفاع لغزو أفغانستان وغزو العراق بعدها في 2003، تأتي كارثة كورونا لتحدث هزة عنيفة لاقتصادات الدول الرأسمالية ومراكزها المتقدمة، مثلها مثل الأطراف والرأسماليات الهشة، وربما تجبرها على تغيير الكثير من مسلماتها الرافضة أيدولوجياً لأي دور اقتصادي فاعل لقطاعات الدولة ومؤسساتها المالية، فضلاً عن مؤسساتها وأجهزتها الصحية والتعليمية والإعلامية والبحثية والثقافية.

ثلاث تيارات:

على قاعدة من هذا التفكير الجديد الذي تدفعه كارثة كورونا وآثارها الصحية والاقتصادية للظهور، تظهر بدايات بازغة لثلاث تيارات فكرية وسياسية جديدة، قد تملأ مساحة كبيرة من الجدل السياسي والثقافي في عالم ما بعد كورونا:

وينطلق التيار الأول من فكرة أن كارثة كورونا أكدت على ضرورة الانطلاق من قاعدة إنسانية عامة، جوهرها: الإنسان قبل الأرباح، أو الأرواح قبل الأرباح، وضرورة صياغة وبناء نظام عالمي جديد، يقوم على تعظيم قواعد وأسس ومؤسسات التعاون الدولي الجديدة، لمواجهة التحديات والكوارث الكونية، وبناء نظام سياسي عالمي جديد يعظم من التعاون والمصالح المشتركة والمصير المشترك.

لكن تياراً ثانياً ينطلق من قاعدة أن كارثة كورونا تفرض على النظام الاقتصادي العالمي أن يغير من نفسه، بالاستفادة من الأخطاء وتعلم الدروس، وبناء نظام اقتصادي جديد، قادر على مواجهة الأزمات الدورية وغير الدورية للرأسمالية، والقبول بالعديد من الإجراءات والأدوات لتحسين الأداء وتطويره، دون تخطي النظام الرأسمالي، بل تجديده وتنويع قطاعاته، والقبول بقدر كبير من تعددية الأقطاب والقطاعات ومصادر الثروة فيه.

لكن تياراً ثالثاً يظهر تحت تأثير كورونا، بتأثير سيكولوجي ناتج عن آثارها المأساوية والوجودية، وبالأخص تحت تأثير عمليات اجتياح المرض وتزايد أعداد الراحلين ومواجهة الموت، ويسعى هذا التيار أو بعض أطرافه لبناء تشكيلة من الأفكار الدينية والقدرية والأخلاقية ووضعها كسبب للكارثة، واستثمارها لإعادة إنتاج تيار فكري، سياسي ديني، في أطار شعبوي جديد.

وفي كل الأحوال، فإن عالم ما بعد كورونا، سيكون عالماً جديداً، حتى لو حاولت الأيديولوجيات والأفكار والثقافات السائدة، البحث لها عن مكان، وعن تأثير، في ذلك العالم الجديد.

نُشر هذا المقال في جريدة الأهالي

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

العثمانيون والإخوان ( الكذب – الخيانة – تجارة بالدين ) … عوامل مشتركة ( 6 ) والأخيرة

بقلم / محمد عبد العظيم منذ تأسيس الجماعة وهي تعتمد على استغلال الدين الإسلامي للترويج …