قراءة لأداءات غير مهنية لإعلام رسمي

بقلم / عبد الناصر قنديل

لم يكن في ما فعله وائل الإبراشي بالأمس مفاجأة ( لي ) بقدر ما كانت المفاجأة في سلوكيات ( البعض) من الغاضبين والساخطين علي سلوكه في ترويج وصناعة الوعي الزائف واستخدام مواد فيلمية قديمة لصناعة حدث ( مكذوب ) يثير من حوله قطاعات من الوعي المجتمعي البسيط والمختلق لصالح شعبية ( خاصة لذاته ) حتي ولو علي حساب القناة التي يعمل بها أو علي حساب مصداقية الدولة التي أصبح مقدما برنامجها الحواري الرئيسي عبر تلفزيونيا ( الرسمي ) وهو مسلك لا يختلف بأي حال عن ما نشاهده ونراه متكررا في قنوات و منصات إعلامية معادية للدولة تبث موادها المشابهة من الخارج .

منذ اللحظة الأولي للإعلان عن وجود الابراشي كمقدم ( رئيسي ) لبرنامج التوك شو في القناة الرسمية الرئيسية للتلفزيون المصري لم يكن لدي ( لا التفاؤل ولا الثقة ) في ممكنات نجاح التجربة بل وكان لدي العديد من التحفظات والملاحظات علي نمط إدارة ( الإعلام الوظيفي ) المعبر عن صورة الدولة عبره لأسباب عديدة .

أولها : أن وائل الابراشي وهو ينتقل للقناة الرسمية الأولي فعلها مصطحبا معه فريق عمله القديم ربما لثقة فيه وربما لرضاه عن الصورة الإعلامية التي سيقدمونها ( معا ) في التجربة الجديدة متجاهلا ( هو ومن أتوا به ) أن ما كان صالحا للاعلام ( الخاص ) يختلف جذريا عما يجب تناوله وتقديمه عبر ( نافذة رسمية ) وأن اللهث وراء الإثارة وصناعة الوعي الزائف للبسطاء والسذج سلاح في منتهي الخطورة قد يرتد لصدر الدولة التي سيصعب عليها ( وعلي صناع السياسات بها ) انتقاد مسلك الإعلام التحريضي المعادي لها في ذات الوقت الذي ينتهج ( اعلامها الرسمي ) ذات المهام بذات الخطاب وبذات المواد الفيلمية المصورة وإن اختلف مقدموا البرامج ( هنا وائل وهناك نصر أو مطر )

ثانيا : أن الوقائع والأحداث المتوالية منذ ظهور الإبراشي الي مسرح الإعلام المرئي تشير وبوضوح الي انحيازه مع فريق عمله الي منهجية ( إعلام الإثارة والفضائح ) باعتباره أداة مضمونة في صنع الشعبية وضمان تدفق العروض والعقود المالية ( متوالية الارتفاع ) وأيضا نسب المشاهدة التي تسعي للتسلية الأمنة ( وهو ما تحول للأسف الي مسلك تنافسي لكافة مقدمي البرامج التي كانت تسمي بالحوارية ) ولو حاول البعض توثيق المتغير السابق فقط يكفينا أن نسترجع واقعة الاشتباك البدني والجسدي عبر برنامج الابراشي بين نجمي الإعلام الرياضي الكابتن أحمد شوبير والكابتن أحمد الطيب ( ويومها ) برر شوبير سلوكه العدواني بأنه بعدما رفض الظهور في الحلقة تلقي رسالة علي هاتفه ( الخاص والشخصي ) من فريق إعلام الابراشي بأن الطيب يخوض في مسائل عائلية يجب أن يحضر ( بسرعة ) للرد عليها فما كان منه الا ان ترك برنامجه ( علي الهواء ) في فضائية اخري وذهب للابراشي كي يدافع عن عائلته.

( وقتها ) مر الأمر بسلام وتناسي الجميع فضيحة ما وقع طالما أتت ( بالمنشود ) من نسب مشاهدة ومن فقرات إعلانية وعائدات مالية غير مسبوقة … فهل هذا هو الإعلام الذي نريده ( أو نستهدفه ) وهل هذه هي الرسالة التي نسعي لتكرار تقديمها هنا عبر المنصة الرئيسية للتلفزيون الرسمي للدولة .

ثالثا : أن طبيعة ( الرسالة الاعلامية ) التي ينبغي أن تنشغل بها ( سلطة ) ادارة الاعلام الرسمي تتناقض ( بصورة غير مستساغة ) مع شخص ونمط السلوك الإعلامي للابراشي ( دون أن يكون في ذلك مساس سلبي بشخصه ) فلو كان الهدف هو تقديم ( توك شو اخباري ) ذو بعد مهني كفء وجذاب فهناك ( العشرات بل والمئات ) من أبناء الإعلام المصري المتخصص يتقدمونه في سباق تقديم هذا النمط … ومراجعة ( الأسماء الرئيسية ) لهذا الفن الإعلامي الخبري في كافة الفضائيات المحلية والإقليمية والدولية الناطقة باللغة العربية ستكشف لنا حجم التنافسية التي تمتلكها الدولة المصرية في أبنائها الذين يجيدون تلك المهمة .

أما لو كان الهدف هو خلق ( حالة حوارية ) ذات كفاءة مهنية تتجاوب وتتفاعل مع الاحتياجات المجتمعية ومع حاجة الناس للمعرفة والفهم فتلك مهمة تحتاج لمواصفات ومعايير في شخص ( مقدم ومدير ) الجلسات ربما لا تتوفر عند الابراشي بذات درجة تألقها ونضجها عند الكثيرين ( سواه ) من الاعلاميين المصريين خصوصا فيما يتعلق بالمستهدفات أو بمنهجية ولغة الحوار الاثرائي والمعرفي المنشود .

رابعا : أن الخلط غير الواضح والإدارة غير الواعية لمستهدفات وطبيعة المنصات الإعلامية التي تهيمن علي المشهد الوطني أفقدت الكثيرين القدرة علي التمييز بين ما يصلح للمنصات ( الرسمية ) بحكم جدتها ورصانتها المفترضة ( والمفروضة) وبين ما يتناسب مع محطات ( الأفراد ) التي تسعي للتربح والدفاع عن المصالح الشخصية لملاكها ( وفق نمط تأسيسها القديم ) في الحالة المصرية وهو ما جعل ( البعض ) يري أن المخرج الوحيد للاعلام الوطني من مأزقه الحالي هو باتباع ومحاكاة تجارب الإعلام الخاص سواء في الأزياء أو السطحية أو الإثارة دونما مراعاة للغرض والمهمة التي نشأ بالأساس كي يحققها .

خامسا : أن صورة ( اعلامي الدولة ) التي كان يمثلها في ( تجارب سابقة ) جلال معوض أو محمود سلطان أو مفيد فوزي أو عماد أديب أو عمرو عبدالسميع تحتاج ( حال السعي لتكرارها ) الي دراسة متعمقة لطبيعة المرحلة والمخاطر والتحديات التي تواجهها اضافة لفهم سيكولوجية الجماهير ومدي تقبلها لنمط الإعلام الموجه في ظل تعدد النوافذ وممكنات البحث غير المقيد بحدود الجغرافيا أو المصالح ( وهي عملية ) اعتقد انها غابت ( ومازالت غائبة ) عن فلسفة الإدارة والتحكم التجاري في مقاليد الاعلام الرسمي التي تمارس اليوم بما قد يؤدي بنا الي أزمات شبيهة ومماثلة لما شهدناه بالأمس .

 

عن محمد عبد العظيم

شاهد أيضاً

العثمانيون والإخوان ( الكذب – الخيانة – تجارة بالدين ) … عوامل مشتركة ( 6 ) والأخيرة

بقلم / محمد عبد العظيم منذ تأسيس الجماعة وهي تعتمد على استغلال الدين الإسلامي للترويج …